محمد أبو زهرة
2134
زهرة التفاسير
للعجز ، عن مواراتها التراب وغفلته ، ولكن لذلك ولأصل الجريمة بالذات ، ولذلك كان التعبير بأخي ، وإن هذه أولى درجات الندم ، إذ إن أولى الدرجات فيه أن يحس بعظم الجريمة التي ارتكبها ، وأثر الإثم الذي فعله ، فقد فعل ما فعل بعد ترديد الفكرة مرتين ، ولكنه ما إن فعل حتى رأى أثر الجريمة مجسما ، وبذلك كانت الحسرة ، ثم كان الندم ؛ ولذلك قال سبحانه بعد ذلك : فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ بعد أن رأى جثة أخيه بين يديه ، وغفل عن أن يواريها ، وأحس البلية التي وقع فيها من رؤية جثمان أخيه الطيب ملقى ، وهو عرضة لسباع البهائم وسباع الطير تنهشه - أدرك مقدار الشر الذي ارتكبه ، ومن المقررات العلمية أن أول إحساس بهول الجريمة أن يرى المجرم الفريسة التي افترسها ، سواء أكان ذا قربى أم لم يكن ذا قربى ، فما بالك إذا كان المقتول لم يرتكب إثما ، بل فعل برا ، ولم يكن منه شر وأذى ، بل كان منه عظة وإرشاد . وإن ذوى الخبرة من رجال التحقيق يستخدمون رؤية المقتول سبيلا لاعتراف القاتل ، فإنه بمجرد رؤيته تضطرب أعصابه ، ويتخلى عنه ثباته وإصراره على الإنكار ، وإن لم يصرح بالاعتراف ، فإن قرائن الارتكاب تتكون من اضطراب ظاهر ، ومن سرعة نبض ، ومن اصفرار وجه ، وذلك سبيل لأخذ الاعتراف الصريح ، لأن صوت الفطرة المستنكر يستيقظ ويتحرك ، ويظهر في حركات الجوارح ، وخلجات اللسان ، واضطراب الأعصاب ، وسرعة النبض ، ولذلك كانت الندامة التي اعترت أول حاسد وأول قاتل ، وقد صار من النادمين ، أي أنه دخل في زمرة النادمين ، بعد أن كان في زمرة المترددين الحاقدين الحاسدين الباغين . وإن هذا الندم لا يعد غافرا للذنب ، وإن كان أول طريق للتوبة هو الندم على الفعل الذي وقع ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : « التوبة ندم » « 1 » كما روى الإمام أحمد والإمام البخاري رضي الله عنهما ، وإنما كان ذلك الندم ليس من التوبة لأنه
--> ( 1 ) « الندم توبة » ، رواه أحمد : مسند المكثرين - مسند عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ( 3588 ) ، وابن ماجة : الزهد - ذكر التوبة ( 4252 ) .